من دقائق البيان في حوار القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من دقائق البيان في حوار القرآن

مُساهمة  يحي13 في الأربعاء فبراير 15, 2012 3:07 pm



من دقائق البيان في حوار القرآن



بقلم : د محمود الزين




إن بلاغة القرآن الكريم تتجلى أكثر التجلي في إحكام عباراته ودقة معانيها ووفرتها مع الإيجاز الفائق , وهما أمران كأنهما متعارضان إذا أراد المرء أحدهما فاته الآخر وقل من يجمع بينهما , فإن وجد أحد منهم فإنما يمكنه ذلك في عبارات قليلة .

أما القرآن الكريم فإن وجود ذلك فيه كالقاعدة المطردة حتى في مواطن التفصيل كالمحاورات ، ومن أبرزها هذه الآية الكريمة من سورة الزخرف (وجعلوا له من عباده حزءاً إن الإنسان لكفور مبين ) هذه الآية تبرز طغيان الإنسان في قضية التوحيد بإجمالها وأجزائها فالقول بتجزؤ الإله كما تتجزأ المخلوقات هو قول ترفضه العقول السوية لأن ما يتجزأ يمكن أن يستمر تجزؤه حتى لا يتلاشى ولا يبقى منه شيء ، وإنما ترفضه العقول لأن التجزء عمل يحتاج إلى فاعل ولا يوجد في الكون شيء يمكن أن يؤثر في ذات الإله وهو القوة التي لا نهاية لها وهو الوجود الأزلي الذي لا بداية له فكيف يؤثر فيه شيء حادث وهو مفتقر إليه ولو كان قابلاً للتجزؤ والفناء لكان لحاصل ذلك منذ دهور كثيرة

ومع كون فكرة التجزئة مستحيلة الوقوع جاءت الآية وفيها شيء يزيد استحالة وقوعها وهو التعبير بقوله : وجعلوا له ، والمخلوق عاجز عن أن يعمل شيئاً يتعلق بوجود الخالق وصفاته ، وهذا يبرز بطلان ما يقولون كأنه يقول : لقد ادعوا أنهم يستطيعون تصريف شؤون الإله سبحانه ، وجاء تقديم الجار والمجرور له مقوياً لما أفاده التعبير ب جعلوا من استحالة وقوع ما يقولون ومن تجاوزهم الحدود ادعاء الجزء له أخلاقاً بلا مستند ولا شبهة تعين عليه

ثم تقوى هذا المعنى بقوله من عباده لأن حقيقة العبودية لا تشبه حقيقة الألوهية بوجه من الوجوه فكيف تكون العبودية جزءاً من الألوهية ؟ أي أن هذا أمر مستحيل يشبه أن نقول : إن هذا ا لحجر جزء من هذه الرياح ، وإذا كان وجود الجزء مستحيلاً فدعوى أن هذا الجزء هو من حقيقة الإله أشد في الاستحالة وإضافة العباد إليه سبحانه تقوي المعنى أكثر لأن إضافتهم إليه تعني أنه خالقهم ومالكهم سبحانه ، فهذه العبودية رغم استحالة أن تكون جزء اً له هي مستحيلة من جهة أخرى جهة أنها مملوكة لله سبحانه وتعالى أي كيف يكون المملوك جزءاً من ما لكه

وفي تأخير لفظ جزءاً وتقديم الجار والمجرور مرتين (جعلوا له من عباده) فائدة أخرى هي التشويق إلى معرفة ماذا جعلوا لكون ذلك في غاية الغرابة ، وأي غرابة أغرب من الأمر المستحيل ؟ فإذا ذكر هذا المؤخر وكان في نفسه أبعد في الاستحالة امتلأ سامع الكلام بالتعجب الشديد والاستنكار العظيم لهذه الدعوى وامتلأ قلبه نفرة وكرهاً للقول بها

ولأن مجرد الإخبار عنهم بهذه الدعوى يكشف عن تخبط عقولهم وتنا قضها وشدة جرأتهم على قول الباطل الصريح الذي ينكره كل عقل سليم لم يحاورهم القرآن في قولهم ولا أقام الأدلة على بطلان دعواهم واكتفى بمجرد الإخبار عنها فقال ( وجعلوا له من عباده جزءاً ) كما لو قلنا : زعم فلان أن الأبناء يلدون آباءهم ثم صب عليه الإنكار صباً فقالSad إن الإنسان لكفور مبين )فوصفهم بالكفر أي جحود الحق مع معرفة أنه حق وصفاً غاية في التقبيح ، فالكفر في نفسه إخفاء للحق ودفن له وزيادة على ذلك جاء بصيغة المبالغة كفور ووصف بأنه مبين على معنى أنه مبين عن وجود صفة الكفر فيه أو على معنى أن كفره ظاهر بين

(هذه الآية تبرز طغيان الإنسان في قضية التوحيد بإجمالها وأجزائها فالقول بتجزؤ الإله كما تتجزأ المخلوقات هو قول ترفضه العقول السوية )

ويلاحظ أن الآية لم تقل أن قائل هذا كفور مبين ولا قالت إن هؤلا ء الذين جعلوا له من عباده جزءاً كفرهم مبين بل أسندت هذا الوصف إلى الإنسان وليس كل إنسان كفور فهناك أهل الإيمان والتقوى والإحسان وقد قال سبحانه ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) ولذلك قال المفسرون : المراد بالإنسان هنا الكافر ، وهذا تفسير للمقصود بحسب السياق ولكن اختيار لفظ الإنسان في هذا الموضع وأشباهه مراد منه الدلالة على أن الإنسان قد خلق ومعه الاستعداد لأشد الكفران والجحود وكل القبائح وهذه الطبيعة جعلت هؤلاء يكفرون الكفر المبين كما أن أهل التقوى والفضائل دفعهم الاستعداد الذي خلق الله الإنسان عليه أي الإستعداد لأفضل الفضائل وأكمل الكمالات فالسياق يفيد أن لكلمة الإنسان في الآية صفة دل عليها السياق فحذفت كأنه قيل : إن الإنسان الذي انحرف عن الحق وانجرف في طريق الباطل لكفور مبين أي هذه عادته وطبيعته ، وهذا الأسلوب أقوى با لحكم بالكفر على هؤلاء الذين جعلوا له من عباده جزءاً من أن يقال : هؤلاء كفار مبينون ونحوه ، فهذه العبارة ما هي إلا خبر ، وأما ما جاء في الآية فخبر يحمل معه برهانه والفرق بينهما كالفرق بين أن نقول عن شخص معين إن فلانا يقول قولا متناقضا وبين أن نقول عنه إن الجاهل يقول قولا متناقضا فهذا في قوة قولنا إن فلان يقول كلاما متناقضا لأنه جاهل والجاهل يتوقع منه الوقوع في التناقض دون أن ينتبه

وقد ساقت الآية هذا الحكم الإنسان كفور مع قوته مع قوته في نفسه مؤكدا بوجهين من التأكيد أولهما دخول إن على الجملة وثانيهما تأكيد الخبر باللام ( إن الإنسان لكفور)

وهذه الجملة بمنزلة التأكيد لما دلت عليه الجملة السابقة وجعلوا له من عباده جزءا من الجحود القائم على التناقض كأنها تقول إن ما تقدم في الجملة السابقة هو تناقض في الإدعاء ومبالغة في الجحود دال على طبيعة الإنسان المنحرف عن الحق وبيناته فهو كفور مبين في كفره ولقوة ترابط معنى الجملتين لم تحتج الثانية إلى حرف من حروف العطف يربطها بسابقتها بل جاءتا مسبوكتين معا كأنهما سبيكة واحدة

والمتأمل في سورة الزخرف يراها كلها تدور في فلك توحيد الله تعالى فبعد بداية السورة وهي كالمقدمة لكل موضوعاتها تذكر السورة آية هي أساس قضية التوحيد وهو أن العبودية حق للخالق المنعم وحده لا يستحقها سواه فتقول ( ولئن سألتهم من خلق السموا ت والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون ) وبعد تعداد النعم تأتي الآية التي تذكر شركهم ( وجعلوا له من عباده جزءاً ) ومعها آيات أخر تعرض أقوالهم وآراءهم وما فيها من شرك بالله ويحاورهم في أرائهم وأقوالهم جزءا جزءا ثم ختم بقوله سبحانه عن المشركين من الأمم السابقة( فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) ثم تعرض السورة قول أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه( إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) ثم يعود إلى حوار المشركين الذين كذبوا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم يذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون مدعي الربوبية وكيف أخذه الله تعالى ثم يذكر خبر عيسى عليه السلام مع قومه وكلها من قصص التوحيد ثم يذكر بمصير المؤمنين والكافرين في الآخرة ثم يعود مرة أخرى إلى حوار المشركين المكذبين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفي الآية الأخيرة يقول سبحانه ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) لتتجاوب أواخر السور ة مع أوائلها

وقد جمعت هذه السورة من شبهات المشركين وحوارالقرآن حول قضية التوحيد شيئا كثيرا حتى ليمكن أن تسمى سورة التوحيد لولا أن تسمية السورة أمر مأثور لايغير ولكي يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه على طاعة الله في قضية التوحيد أمره الله تعلى أن يقولهم (( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين )) وهي طريقة من الحوار قائمة على اتباع الحق وبراهينه إذا ثبتت ولا يراد منها مايتوهمه الجاهل الذي لايتأمل الكلام من أن وجود لولد ممكن ولوثبت وجوده لقبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد ه بل إن المتأمل في الآية وسياقها ليجزم أن مضمونها عند التدبر هو التحدي وإن كان مضمونها عند التدبرهوالتحدي وإن كان الظاهرمنها مجرد الإخلاص في اتباع الأدلة إذا ثبت وتبين الحق الذي تدل عليه . وما هي إلا كقول الإنسان لخصمه بعد أن يقدم الأدلة القاطعة على أنه على غيرالحق :إن أتبت أنك على الحق تابعتك .وهو يريد بذلك أن يقول له ضمنا لا يمكن بعد هذه الأدلة القاطعة أن تكون على الحق وكل ما سوف تأتي بت معارضا للأدلة القاطعة المذكورة أولا وهو سخف وهراء ولكنه خاطبه بهذا الأسلوب الإفتراضي إظهاراً للإنصاف وتأليفا لقلبه ودعوة له إلى الإنصاف في الحوار واتباع الحق إذا تبين .

نقلته من مجلة الضياء العدد 116

يحي13
عضو اساسي
عضو اساسي

عدد المساهمات : 122
تاريخ التسجيل : 28/01/2012
العمر : 42

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: من دقائق البيان في حوار القرآن

مُساهمة  sami real في الأربعاء فبراير 15, 2012 7:30 pm

مشكوووور

sami real
عضو اساسي
عضو اساسي

عدد المساهمات : 78
تاريخ التسجيل : 29/01/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى